محاضرة القيت في الجمعية العامّة الخامسة لمجلس كنائس الشرق الاوسط، مثَّلَت فيها الاخت وردة مكسور الكنيسة الكاثوليكية التي دخلت يومَها رسميًّا في مجلس كنائس الشرق الاوسط وذلك  في 22-29 كانون الثاني 1990 في لارنكا-قبرس تحت شعار،"وحدانيّة الروح برباط السلام".

 نشرت هذه المحاضرة في مجلّة المنتدى لمجلس كنائس الشرق الأوسط- السنة الاولى العدد الاول أيلول 1992

...أرادت الأخت وردة من خلال  هذه المحاضرة ، انتفاضة وعي وحياة ورجاء وتحدّي السهل والحياة السهلة، لأننا التزمنا بمحبّة المسيح ورسالته، وهو نورنا ومنبع حياتنا .

 

اا - البنيان الروحي من أجل رسالة متجددة  (1)

 

 "هاءنذا أجعل كلّ شيء جديدًا " "أنا الألف والياء، البدء والنهاية " (رؤيا 21/5-6).

        هذه الصفحة الأخيرة من الوحي تُعلن بكلّ وضوح أنّ أساس كلّ جدّة هو الله ذاته. "إنّ العمل العظيم لتجديد الخلائق هو عمل الخلاص الذي تمّ بالمسيح: لقد أتى المسيح بكلّ جدّة عندما أتى بذاته إلينا" يقول القديس اريناوس.

        فالكنيسة تتلقّى حدث الجدّة هذا الذي هو المسيح إلهنا في كلّ أبعاد عمله الخلاصي، وهو الذي يجعل كلّ شيء جديدًا .

والكنيسة معرّضة دائمًا، في مسيرتها الأرضيّة، لواقع العتاقة بسبب انغماسها في إغراءات هذا العالم. وهو ما يستدعينا للعودة الدائمة إلى جدّة المسيح بقوّة الروح القدس العامل فيها، والإبتعاد عن كلّ ما يتعارض وهذه العطيّة الكبيرة أو يخونها.

        إنطلاقًا من واقعنا في الشرق الأوسط، والظروف السياسيّة والإقتصادية والدينيّة والإجتماعية الخاصّة التي نعيشها والتي وصفها سيادة الأنبا موسى، ووفق الأسس اللاهوتيّة للتجديد الكنسي في الشرق الأوسط التي وردت في ورقة عمل الأب جان كوربون (وثيقة رقم 6، بيروت حزيران 1984)واستنادًا إلى أكثر المعطيات والدراسات التي قام بها برنامج التربية المسيحيّة في مجلس كنائس الشرق الأوسط على امتداد ست سنوات وخصوصًا في حلقته الاستشارية الأخيرة التي عُقدت بين 2 و 9 تشرين الأول/اكتوبر في أيانابا - قبرص تحت عنوان "خدمة الكنيسة التعليميّة نظرة مستقبلية"، وعلمًا منّا بأنّ مجتمعنا هذا لا يعيش تحوّلات جذريّة على مختلف الاصعدة، ويسير بخطى سريعة لا نبغي وصفها والكشف عن وقائعها حتى لا نردّد ما أتى عليه من هو أكثر منّا جدارة، بناءً على كلّ ما تقدّم، نريد من هذا الحديث أو عبره، انتفاضة وعي وحياة ورجاء . نريد أن نتحدّى السهل والحياة السهلة، لأننا التزمنا بمحبّة المسيح ورسالته، وهو نورنا ومنبع حياتنا .

        باسمه انطلقت رسالة الكنيسة في هذا الشرق تزرع الفرح وتنشد النور وتعيش المحبّة. هذه المتطلّبات تدعو الكنيسة المشرقيّة إلى حياة الجدّة المستمرّة بقوّة الروح القدس، حتى تتمكّن من بناء شخصيّة إنسانيّة متكاملة ومتّحدة بيسوع المسيح، ومشتركة في حياة الله التي في ذاتها عنصر الجدّة والخلق في هذا المجتمع، مهما كبرت مشاكله أو تحوّلت معطياته .

 

إنّ كنائسنا جميعها تعلم أنّ وجودنا في هذا الشرق هو دعوة خاصّة حتى نبقى في قلب هذه الشعوب التي نعايشها خميرًا يخمّر العجين، عربون قيامة ونموّ وقداسة .

لقد دعانا السيّد المسيح أن نكون ملح الأرض ونور العالم، أي أن نكون، بوجودنا في هذه المنطقة، المنارة الواعية بالعتمة الداهمة، تنشر فرح الإشتراك بجسد المسيح وفرح الإنسان المخلّص الذي يعيش الصليب ويؤمن بالقيامة.

رسالتنا في هذه المنطقة من العالم أن نكون نورًا لا ينطفىء مهما يعتريه الظلام. فالمسؤولية الخاصّة لكنائس الشرق الأوسط هي أن تغذّي هذا النور وتدعه يشعّ ويبقى منيرًا حتى يتسلّمه غيرنا. فلا نترك الظلمة تسيطر علينا وينطفىء نور جماعاتنا الموجودة هنا وتنطفىء رسالتها معها .

إجتماعنا اليوم هو بذاته بنيان روحي من أجل رسالة متجدّدة، هو نور المحبّة وشاهد لها يهدي سوانا إليها، وبمحبّتنا نبعد الظلمة عن حياتنا .

 

فالبنيان الروحي الذي اتخذته الكنيسة يرتكز على التربية بكلّ مجالاتها، والتربية هي أداة الجدّة في المسيح، وهي التي تنطلق من واقع الكائن الذي يجب بناؤه جسدًيا وروحيًا، فكرًا وعملاً، عاطفة وإرادة، يدًا وعقلاً. وهي مساعدة شخص أو جماعة على الإنتقال من درجة بسيطة إلى درجة أسمى . من هنا يتبيّن أن حركة الجدّة حركة تربوية حسب روح المسيح الذي يربّي الكنيسة المحلّية في خبرتها التجديدية المستمرة في واقعها الخاص . (التجديد الكنسي بالتربية للأب كوربون ).

        فما هو واقعنا في هذا الشرق ؟ وما هو التحدّي الذي يواجه كنائسنا الشرق أوسطية في البنيان الروحي وتجديد الرسالة ؟

 

أولاً : واقعنا في هذا الشرق

        لا شكّ أنّ لبلدان الشرق الأوسط واقعًا خاصًا ومميّزات ذات أبعاد خطيرة في تأثيرها على عمليّة التربية للأجيال المستقبلية .

 

1) الظروف السياسيّة

        إنّ الأنظمة السياسيّة للشرق الأوسط متباينة جدًا . فمن أنظمة تعتمد الدكتاتوريّة العسكرية والسياسيّة إلى أخرى شبه ديمقراطية أو أوتوقراطيّة، الخ ...

        وهذه الظروف تترك بصماتها الخاصة على الطفل والفتى والشاب والأسرة، وتربّي الأجيال بطريقة مختلفة من بيئة إلى بيئة، تبعًا لدرجة حرية التعبير المُتاحة والإسهام الممكن في تيار الحياة، ومدى ما توفره الظروف السياسيّة من انفتاح بالحبّ والوحدة الوطنيّة، أو تشرذم طائفي يملأ النفوس حقدًا وضغينة .

 

 2) الظروف الإقتصاديّة

        إنّ الحروب تخلق تجارًا قساة وفقراء مطحونين، وكسادًا رهيبًا. إنّ شباب منطقتنا محروم من أن يحلم، فهو لا يجد فرصة العمل، أو السكن، أو الزواج، أو الرغد الإجتماعي. ومن الجانب الآخر، نرى تجار السلاح والدمار والمخدرات والإدمان. إنّه يحسّ أنّ الجيل السابق يدمّره تدريجيًا . لذلك يجتهد بأن يدمّر نفسه بالإدمان أو بالقتل ... والفروق الإجتماعية بين الفئات باتت كبيرة .

 

3) الظروف الدينيّة

        لا شكّ أن الفراغ الاقتصادي الرهيب والصراعات العسكريّة ذات الأساس الديني والعرقي تحمل انعكاسات خطيرة على أجيالنا الصاعدة. لقد صار اللجوء إلى الصلاة والدين وسيلة للهروب من الواقع المرّ، أو أملاً بحلول للمشاكل الجاثمة على صدرها. ولو هي لجأت إلى التديّن السليم، تديّن المحبّة، لخفّف ذلك من آلامها . لكن السياسيّين حوّلوا الدين إلى سلاح جديد فتّاك، فصار من يقترب من الله يقتل البشر، فهل يُعقل هذا ؟

        هناك تربية شائعة، تغسل عقول الأجيال الصاعدة وتحوّلها إلى أجيال مجرمة وقاتلة وعنيفة، وليس من يتصدّى أو ينصح، فالكلّ مشغول بصراعاته، والأجيال الجديدة متروكة لمهبّ الريح .

 

 4) الظروف الإجتماعية

إنّ نظرة سريعة نلقيها على الأسرة والمجتمع في الشرق الأوسط تكفي لندرك مدى التمزّق والتشتّت. لقد هاجر بعض أفراد الأسرة الواحدة، بصفة مؤقتة أو دائمة، يطلبون لقمة العيش، أو ينشدون الأمان، ممّا حرّم الأسر من تماسكها وأنشأ توتّرات نفسيّة وعاطفيّة خطيرة، انعكست بالضرورة على الجيل الصاعد فصار جيلاً منغلقًا على مشاكله الخاصة، منفلتًا من كلّ قيد، حتى قيود المحبّة البناءة الأسرية . يمضي في تشييء خطير للإنسان، وفي عبوديّة رهيبة للمادة والجنس والمخدرات .

 

        لقد تخلّى كثيرون اليوم عن ثقافاتهم وحضاراتهم وقيمهم الروحيّة. تحت وطأة الحاجة والإعلام الغربي والضغوط المجتمعية التي يقاسونها بلدان اغترابهم. وها هم يستدعون بقيّة أقربائهم، ليتركوا مواقع الأوجاع الشرق أوسطية، ويتجهوا إلى "أرض الميعاد" بكل ما تحدثه من تغريب وتذويب ودمار . حتى كدنا نتّجه نحو تفريغ الشرق الأوسط من الشهادة المسيحيّة ونتخلّى عن الصليب، متناسين أنّه لا صليب بدون قيامة ولا قيامة بدون صليب .

 

 

        ثانيًا : مجالات الرسالة الكنسيّة وخصوصيتها

1) واقع الكنائس في الشرق الأوسط: نحن لا نحلم بكنيسة خالية من الجراح والآلام على هذه الأرض. فكنيستنا، بحسب القديس افرام السرياني، "كنيسة هالكين وتائبين" تصارع قوى الشرّ وتثبتنا بالنعمة الإلهيّة. إنّ رسالتنا شهادة في مجتمع متعدّد الطوائف والأديان، حيث النظرات السلبيّة عن الآخر مرسّخة في ذهنيتنا. فالجماعة المتنافرة ليست جسد المسيح فعلاً، وهي غير قادرة على التبشير. لذا، كانت الحاجة الماسّة هي أن نلتقي مع بعضنا البعض، ونقبل تراثات بعضنا ونتعاون جميعنا، كي نترسّخ كلّ في كنيسته، ونحيا إيماننا بصدق ومحبّة، فنشهد حينذاك لجسد المسيح ولوحدة المسيحيين بالمسيح، نتحرّر من كلّ ما يشوّه جسده كي نولد من جديد بنعمته في هذا الشرق. حاجتنا اليوم أن نبشّر بالمسيح الواحد، وأن تتغلغل التربية الدينيّة والمسكونيّة إلى أعماق كلّ إنسان فتحوّله إلى أخ وتؤنسنه حقًا، فنحبّ بعضنا بعضًا كأخوة بالمسيح ونشهد له . "أنتم الذين اختارهم الله فقدّسهم وأحبّهم، ألبسوا عواطف الحنان والرأفة والتواضع ... لتحلّ في قلوبكم كلمة المسيح بكلّ غناها لتعلّموا وتنبّوا بعضكم بعضًا بكلّ كلمة " (كولوسي 3/16).

        إنّ المسيحيّة في هذا الشرق أمام تحدّ : إما أن تزول أو تبقى، ونحن نراهن على القاء، ونستند إلى التربية النابعة من الإنجيل لنعيش الإنفتاح ومحبّة الأعداء .

 

2) الشهادة اليومية: من ينظر إلى واقع الشرق الأوسط السياسي فقط، يشعر بلا شكّ أنّ التحدّي كبير وكبير جدًا. فالصراعات السياسيّة على أشدّها، والمنطقة كلّها على فوهة بركان والضحايا تتاسقط يوميًا على جبهات مختلفة، ودفاعًا عن مبادىء وقيم متباينة. ومصير الكنيسة والشعوب والجماعات مطروح للمساومة والمزايدة. فهل تستطيع كنائسنا، قبل أن تكون فاعلة ومؤثّرة، أن تحافظ على وجودها ووجود الجماعات التي تنتمي إليها ؟ هل ستتحدّى أولاً وآخرًا مخاطر التذويب والتهجير والتفتيت ؟

        ماذا فعلت كنائسنا حتى الآن حتى تتحدّى هذا الخطر ؟ خصوصًا وأنّها منذ قرون في عمليّة انحساريّة هروبيّة تهجيريّة . فهل يجوز لهذا الواقع أن يستمرّ وتنطفىء المسيحيّة في مهدها ومكان انطلاقها ؟

        أمّا إذا نظرنا إلى واقعنا الإجتماعي الإقتصادي فحدّث ولا حرج. كيف سنواجه الفقر ؟ كيف سنواجه المجاعة التي بدأت تطرق أبوابنا بعد أفريقيا المعذّبة ؟ البطالة، الجهل، البؤس، التفكّك العائلي، الهجرة كلّها قضايا تتحدّانا وتتحدّى وجودنا.

ونحن لا ندّعي، بأي حال من الأحوال، أن بوسع الكنيسة أن تحلّ محلّ الدول والأنظمة. ولكن هذه المشاكل والصعوبات لا بدّ لها من أن تنعكس على الكنيسة وعلى مجال عملها ونموّها. ولكن، كيف يمكنها المساهمة في البناء الإنساني والروحي في ظلّ هذه الظروف التي تتأثّر بها وتتفاعل معها ؟

 

3) الخميرة في العجين: إنّ وجود كنائسنا في هذا الشرق ليس عمليّة صدفة. واجتماع كنائسنا هنا اليوم من مختلف المناطق شاهد لوحدة كنيسة المسيح وهو يعيننا لنوضح رسالتنا الخاصة في هذا الشرق وسط الظروف المأساويّة التي نعيشها.

لقد وقعت ثورات عدّة في العالم وتهدّمت جدران وتغيّرت أنظمة سياسيّة، بينما لا يزال شرقنا كما هو، يعيش نارًا تتأجّج تحت الرماد دون أن نشعر إلا بقليل من الحرارة. إنّ الإنجيل يفرض على كلّ من يتأمل فيه ثورة عميقة تطال الجذور، قوامها التوبة والإرتداد عن الخطيئة والأنانيّة، وعيش المحبّة بدون حدود . وهذا الإنقلاب ليس روحيًا وداخليًا فحسب، بل يشمل الإنسان بكليته . والإنجيل هو دائمًا، وبواسطة الكنيسة أو خارجها، أقوى خميرة في التحوّلات الإنسانية العميقة .

إنّ الكنيسة شاهدة للمسيح المصلوب، والقائم من الموت في قلب هذا الشرق، وهي تسعى لتعميم عمل المسيح وتحرير الإنسان من العبوديّة من أي نوع، ونشر إنجيل العدل وكلمة الحقّ بكاملها. ومهما تعدّدت الصعوبات وتكاثرت الإضطهادات، فالكنيسة لا تتنصّل من شعبها أو أوطانها، ساعة الضيق والمحنة .

 

4) الكنيسة المعلّمة تتجدّد: وعندما نبحث عن بنيان روحي لتجديد رسالتنا، لا ننظر فقط إلى علوم النفس والإجتماع والتربية، وما أدّت إليه من سرعة في اكتساب المعرفة والتسويق التجاري. ولا ننظر إلى الإنحرافات العديدة التي أتت بها في الممارسات التربويّة المعيوشة، ولكننا نعود إلى بيئتنا وخصائص شعبنا وتراثاتنا لنبحث عن الأسس اللاهوتيّة التي تحملنا إلى هذه الجدّة .

الكنيسة المعلّمة اتخذت كوسائل لها المدارس والتربية الدينيّة والرعيّة وكلّها تختصر بتربية الأجيال الصاعدة والشباب والأسرة والمرأة .

ولمّا كنت التربية في جوهرها استجابة الكنيسة لأمر السيد المسيح "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم... وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به..." (متى 28/19-20)، باتت الكنيسة التي هي مؤسسة إلهيّة - إنسانيّة مدعوّة للقيام بواجب تربية متكاملة لكلّ الجماعات التي تتألّف منها، ولأن تتعدّاها في عملها التربوي، حتى تصل إلى المجتمع الذي تعيش فيه، إسهامًا منها في تجديده وإصلاحه ليتلاءم وإرادة الله المعبّر عنها في الكتاب المقدّس، تلك الإرادة التي تشكّل هدف الكنيسة ووجودها.

        إنّ المجتمعات عامّة، والمجتمع المسيحي الشرقي بخاصة، تعيش تحوّلات جذريّة وسريعة على مختلف الصعد الإجتماعيّة والدينية والسياسيّة والإقتصادية. وهذا يتطلّب أن تحيا الكنيسة المسيحيّة الشرقيّة حياة الجدّة المستمرّة بقوّة الروح القدس، حتى تتمكّن من بناء شخصيّة إنسانيّة متكاملة ومتّحدة بيسوع المسيح ومشتركة في حياة الله التي هي في ذاتها عنصر الجدّة والخلق في المجتمع بكامله .

 

5) التربية المسيحيّة أداة الجدّة بالذات: إنّ التربية المسيحيّة هي أداة الجدّة والخلق في الكنيسة كما في المجتمع، إذ يجب أن تعمل على خلق مناخات النموّ الإنساني روحيًا وزمنيًا، إلى أن يصل الإنسان إلى "ملء قياس قامة المسيح" (أف 4/13). ولكي تكون الكنيسة هذه الأداة الفعّالة لجدّة الكنيسة والمجتمع، يترتّب عليها أن تحافظ على توجّهات لاهوتيّة مسيحيّة، بالإضافة إلى المفاهيم الإجتماعيّة والسيكولوجية السائدة في مجتمع دائم التحوّل .

إنّ كنائسنا مدعوّة إلى تجديد رسالتها التربويّة الدينيّة ومعالجة مشاكل الشباب والمرأة بشكل صحيح، وبأساليب أكثر وعيًا وفعاليّة ودقّة .

 

 

ثالثًا : التربية الدينيّة وحقولها الرعائية

        التربية الدينيّة هي عمل للبالغين وليس للأطفال، فيما نحن نكتفي بتربية الأطفال والتلاميذ. مكان التربية هو الرعيّة، ونحن نكتفي ببعض الممارسات الطقسيّة. شبابنا متروك وهو بأمسّ الحاجة إلى من يقود خطاه ويصلّي معه.

        عندما أنشأت الكنيسة في لبنان العمل الرعوي الجامعي، افتقدت، وحتى اليوم، إلى مرشدين أكفاء، قادرين على مخاطبة الشباب ويملكون الإمكانات الضروريّة ليأتي عملهم متجاوبًا مع حاجات الشباب ومتطلّباتهم .

        لا تقتصر التربية الدينيّة على ما نسميه التعليم الديني ولا على برامج مقتبسة نترجمها ونطبّقها في المدرسة. إنها عمل صبور، ولا بدّ لنا من السعي لتبديل المعطيات وكلّ الإشكالات التي تطرحها داخل كنائسنا "لا تتشبّوا بهذه الدنيا، بل تبدّلوا بتجدّد عقولكم لتميّزوا ما هي مشيئة الله وما هو صالح ما هو مرضي وما هو كامل " (رومية 12/2).

 

        فاللاهوت المسيحي هو أساس للتجديد الدائم في حياة الكنيسة وخدمتها وشهادتها .

        إنّ الله الآب خالق أبدًا، والله الإبن مخلّص أبدًا، والله الروح مجدّد ومحيي أبدًا. فإذا أرادت الكنيسة أن تحيا حقًا على صورة شركة الثالوث، كان عليها أن تعيد النظر في مفاهيمها التربويّة وحياتها على ضوء حدث الجدّة ومتطلّباته، فتتمكّن عندئذٍ من عيش نهضة روحيّة جديدة .

والروح المسيحيّة هي الحياة الحياة الجديدة في المسيح، وبالتالي في المشاركة بإبراز عمل الله الخلاصي في الكنيسة والمجتمع، اليوم وهنا، وبتعبير آخر في الشهادة المسيحيّة الحيّة .

إنّ الواقع الحالي لكنائسنا ذو أبعاد خطيرة تؤثّر في عمليّة التربية كما ذكرنا سابقًا. لذلك يعمل قسم التربية في مجلس كنائس الشرق الأوسط على التعاطي مع هذا الواقع برؤية جديدة لا تتجاهل قضايا الأرض والمشاكل المطروحة في هذه المنطقة، بل تعنى بالأجيال الصاعدة لتقودها بعناية إلى عيش شهادتها للإنجيل في هذه المنطقة بالذات التي تجهل الصليب .

 

نحن نعيش في بيئة إسلامية، نبشّر بالسلام ولا نمارسه. إيماننا طقوس ونصوص أكثر مّما هو فعل إيمان "ينقل الجبل إلى البحر". نشأنا وتربينا على نماذج متحجرة وقيم ثابتة وأخلاق موضوعة سلفًا... شككنا بالروح الذي يبدع ويلهم ويبدّل.

 

        وإذ لم يقرّ محيطنا بالمسيح على كمال اعترافنا به، فلأن شهادتنا له ناقصة مضطربة. كيف ندلّ على الصليب، والألم منبوذ في حياتنا كفضولي دخيل ؟ البرهان في عكس ذلك كما أورده اغناطيوس الإنطاكي (107) القائل:"الدليل على أنّ المسيح صلب حقًا هو صليبي، وهذه القيود التي في يدي، وهذا الألم الرفيق ".

 

رابعًا : مشاكل التربية الحديثة

من أولى الظواهر التي تطالعنا، أنّ التربية الدينيّة التي حدّدناها أعلاه قد انحسرت عن مفهومها الأصيل، واقتصرت على التلقين والتعليم فتركّزت في المدرسة بعد أن تخلّفت الأسرة والرعيّة عن المهمّات العائدة إليها.

ومع أنّ المدرسة خلقت الجوّ الملائم ويسّرت انتشار التعليم الديني، إلا أنّها أورثته المشاكل التي رزحت تحتها في مواجهات تغيّرات العصر. ومشاكل التربية الأكاديميّة في مدارسنا عديدة، سنكتفي باستعراض سريع لبعضها:

         1) كثافة العدد : المدارس تغصّ بالأعداد، فلا يستطيع المعلّم أن يتعرّف على أسماء تلاميذه حتى نهاية العام الدراسي . وهو يعطيهم معلومات يحشون بها رؤوسهم دون أن يحرّك دماغهم .

 

        2) سيطرة الإنتاج المادي: إنّ التربية المعاصرة مهدّدة بالإنجراف في تيارات تخدم المجتمع الإستهلاكي. فكلّ ما يُنتج ويُعطي مردودًا ماديًا ينظر إليه باحترام، وكلّ ما هو مجانيّ لا يحدث أي رغبة لدى الطلاب.

لم يعد الدرس يستهدف تنمية الثاقفة كما يفترض به أن يكون، بل يستهدف العلامة ليس إلاّ .

 

        3) استنساخ المعلومات وحفظها : البرامج التربوية منظّمة بطريقة لا تسمح للتلاميذ بأي تربية إنسانيّة، لا تتيح لهم المجال كي يشعروا بجمال الطبيعة، حتى ولو كانت المدرسة تقع في قلب الطبيعة .

 

        4) تحوّلات سلبيّة: إنّ هذا الوضع الجديد في العالم سبق حساباتنا وبدّل مقاصدنا وأعمالنا، فانفجرت التربية المعاصرة في تيارات تخدم المجتمع الإستهلاكي كما وصفها الدكتور انطوان مسرّة في مقال له في جريدة "النهار" اللبنانية في 24/10/1989 حيث ورد فيه:

        "وهكذا يتحوّل التعليم الشخصي إلى إنماء الفرديّة، والحوار التربوي إلى استهتار بالسلطة، ومشاركة الأهل إلى اكتساب عمليّة تأييد الزبائن ومسّ معنويات المعلّم، والعمل الجماعي إلى انتهازيّة واتكاليّة على الغير، وفهم بيئة الطالب إلى إلقاء المسؤولية على الغير، وحريّة المعتقد إلى ترك التلاميذ يتدبّرون أمر معلوماتهم الدينيّة، وسيكولوجية الدوافع والتشويق إلى تبسيط التعليم إلى درجة السطحية والتفاهة ".

 

        5) تأثير الوسائل الحديثة وأدوارها في التربية: لا شكّ أن التربية هي للعائلة وللمدرسة الرعيّة، ولكننا غالبًا ما ننسى أنّ التربية أصبحت بين أيد غريبة لا نعرفها ولا نعرف نواياها، وهي بوسائلها أقوى منّا وتملك كلّ الأساليب المشوّقة إذ تسيطر على الإنسان ومخيلته وتتبعه حتى إلى فراشه، فلا داعي للجهد أو الدرس والجلوس أمام الطاولة للكتابة .

البرامج التلفزيونيّة تسرق من وقت التلميذ أقلّه خمس أو سبع ساعات يوميًا، والدعايات المسلّية والمؤثرة تمارس تأثيرًا فعلالاً عليه، وهي بتقنيتها أقوى من كلّ التعاليم التي نقوم بها في رسالتنا .

        فما موقف الكنيسة من كلّ هذا ؟ لا شكّ أنّ الكنيسة تعي هذه الأمور وتريد أن تعمل. لكن عملها، حتى الساعة، لم يأتِ على مستوى الإنتشار الذي يعرفه التلفزيون والسينما، ممّا يجب أن يكون دافعًا لها لتنظر في الأمر وتشترك بفعاليّة في إنتاج هذه البرامج التلفزيونية وبثّها، فتسدّ النقص الكبير في المضمون الثاقفي وتصحّح الإنحرافات التربويّة .

 

 

خامسًا : واقع التعليم الديني الحالي وانحرافاته

        استولى النظام المدرسي على التربية المسيحيّة في لبنان، لا بل هي ألصقت به، وباتت عملية مرتبطة بالمدرسة، حيث يتواجه المعلّم والطالب في معزل عن الجماعة، عن البيت، عن الرعيّة. أي على هامش هذه الجماعات الأساسيّة في التربية والتي انسحبت من المهمّة. غير أنّ المستجدّ هو اكتشاف أهميّة الأسرة والجماعة في التربية، بهدف تصويب التوجّه المدرسي .

إنّ للمدرسة دورها في التعليم الديني، غير أنه ينبغي ألا تصادر دور الآخرين، أي البيت والرعية والمجتمع. وهي نفسها تعاني من مشاكل رزح تحتها النظام التربوي، وأدّت إلى معاناة طويلة في التعليم الديني. وإذا ما استعرضنا أوضاع هذا التعليم بشكل سريع وقع نظرنا على الأمور التالية :

1) المنهاج: يختلف المنهاج باختلاف المناطق، وكتب التعليم غزيرة ووافرة وهي تختلف من حيث الشكل والطريقة والمفاهيم إلى درجة كبيرة. زد على ذلك أن بعضها ما زال يعتمد أسلوب السؤال والجواب أو الوعظ والأخلاقيات، ولا يهتمّ بتربية الإنسان الباطني الذي "يتجدّد يومًا بعد يوم بالمعرفة " كما يقول لنا القديس بولس . والمناطق التي وحّدت كتبها، أتت دون المستوى الروحي، بسبب عدم المساهمة الفعّالة للكنائس المتواجدة فيها .

 

إنّ هذا العدد الكبير من المناهج يشكّل حاجزًا أمام التربية المسيحيّة، ذلك أنّها تصبح تعليمًا ينشد غرس المفاهيم اللفظيّة الفارغة عوض أن يتطلّع إلى تربية تنمّي شخصيّة الولد وتعزّز قدرته على التحليل والمناقشة والتأمّل والعيش من كلام الربّ.

        زد على ذلك أنّ تعليمنا الديني في الشرق الأوسط أتى بشكل جدالي أكثر منه بشكل تربوي لاكتشاف الرسالة المسيحيّة الحقّة، وبُني على موقف دفاعي لمجابهة الكنائس والطوائف الأخرى الإسلام، دون النظر إلى تنشئة الإنسان المسيحي الأصيل وكشف وجه المسيحيّة المحبّة التي تتأنّى وترفق وتستمدّ قوّتها من الصليب .

 

        2) المضمون: إنّ مضمون التعليم الديني ليس ثابتًا. لقد توصّلت الكنائس الكاثوليكيّة في لبنان إلى وضع برنامج موحّد، وهذه خطوة أساسيّة في تاريخ التعليم الديني. يبقى أّ المطلوب الآن، بعد اختبار هذا البرنامج، أن يصار إلى تحديده. وليت كنائس المنطقة توافق بأجمعها على وضع الخطوط العريضة لمضمون التلعيم الديني .

 

        3) المعلّمون: حتى الماضي القريب، كان الكهنة والراهبات يقومون بتدريس الدين المسيحي في مختلف المدارس. غير أنّ تضاؤل عدد هؤلاء وكثرة عدد الطلاب، دفعا بالكنيسة إلى مواجهة واقع لم تكن مستعدّة له، فأسرعت للإستعانة بمن تيسّر من المتطوعين والمندفعين، وأطلقتهم بعد تحضير سريع مكثّف للتعليم في مختلف المدارس .

وكان لا بدّ من دفع أجور لهؤلاء المعلمين، فأخذت الكنائس ذلك على عاتقها، متورطة بالتالي في عملية تشبه العمليّة التجاريّة. فالأجور كانت، في غالب الأحيان، رمزية وغير متناسبة مع تكاليف الحياة ولا تستقطب العناصر الكفوءة. وتجبر المعلّم على القيام بنشاط آخر إلى جانب عمله، سعيًا وراء لقمة العيش، وما يزال الجسم التعليمي، حتى أيامنا هذه، يشكو من نقص كبير وعدم أهليّة علميّة، بالرغم من وجود المعاهد التي استحدثت لتأهيل المعلّمين .

 

        4) القيمة الماديّة: انعكس مفهوم القيمة الماديّة على التعليم الديني كتعليم، تمامًا كما انعكس على النظام التربوي ككلّ، وكان لهذا المفهوم مردود سلبي، ذلك أنّ الكنيسة كانت تتطلّع لأن يكون  هذا التعليم عملاً مجانيًا مميزًا عن غيره من المواد، لا يخضع للتقييم ونظام العلامات . لكن ذلك جرّد التعليم من أي حافز بالنسبة للطلاّب، الذين ما عادوا يولونه أي اهتمام .

وقد تنبّهت بعض المدارس لهذا الوضع فعادت لتخضع التعليم الديني، مثله مثل سائر المواد الأخرى، لنظام العلامات .

       

5) انحراف التربية بالتيارات الاستهلاكيّة: كيف ستكون الكنيسة، في هذا الإطار المسكوني أو الكوني، الضمير الحيّ الساهر حتى لا تنجرف المدارس والتربية الدينيّة عن أهدافها:"مجانًا أعطيتم، مجانًا أعطوا"، كيف سيتمّ ذلك في ظل مؤثّرات المجتمع الإستهلاكي وبنية النظام الدولي ديبلوماسيًا واقتصاديًا ؟ لا عطاء مجانيًا. لقد طغت المادة والإنتاج على كلّ نواحي التعليم. فالمعلّم لم يعد ينظر إلى الآخر كإنسان يتغيّر بنعمة الربّ ويتبدّل ويكبر ويكتشف، بل ينظر إلى دارس منتج، يبني موقفه منه استنادًا إلى درجة نجاحه في التعليم الأكاديمي دون سواه .

        6) تبسيط التعليم الديني: لقد أدّى تبسيط التعليم الديني والتشويق والزعم بأن أي إنسان يستطيع أن يقوم برسالة المعلّم والمربّي إلى انتشار الفراغ والسطحيّة والتفاهة. ورغبة في إرضاء التلامذة وأهلهم، يسعى المعلّم إلى التبسيط إلى أقصى الحدود، حتى يفهم التلامذة كلّ شيء . ويفوت البعض أنّ الحالة البشرية هو عدم الفهم . أمّا الفهم فهو الاكتشاف والأعجوبة . لذا يقتضي البحث بجديّة عن طريقة لنقل المعرفة .

 

 

سادسًا : المقترحات العمليّة لتجديد الرسالة المسيحيّة

        معايير التجديد في الرسالة : إنّ الأمانة لعطية الجدّة ولضرورة التجديد، هي المعيار الأساسي لتقويم عمل التربية وإتقانه في سبيل الرسالة المسيحية، وتكون هذه الأمانة من منطلقين :

1. أمانة للعمل الخلاصي الذي يتحقّق في الأشخاص .

        2. وأمانة للروح القدس الذي  "يهبّ حيث يشاء "

        تتجلّى هذه الأمانة في خدمة تجديد الكنيسة المحليّة حيث تصبح الجماعة بعمل الروح القدس جسدًا للمسيح" وجلّ ما يطلب من الوكلاء، أن يكون كلّ منهم أمينًا" (1 كو 4/1-2) فلا مسيحيّة دون خدمة، والمحبّة لا تكتمل إلاّ بالعطاء والتضحية (اللاهوتي شهيد، لأنه قادر على البذل حتى الموت). لذلك تحرص الكنيسة على إيجاد مربّين، يكونون أداة الروح فيها (رومية 10/14-15) من خلال التدريب المرتبط ببنية الكنيسة، الذي يعدّ خدّامًا كفوئين يقومون بخدمة الآخرين، وإشراكهم في بنيان جسد المسيح.

        إنّ الأداة الخاصة التي إتخذتها الكنيسة لتأدية رسالتها هي التربية. والتربية هي أداة الجدّة والخلق في الكنيسة نفسها كما في المجتمع، إذ يجب أن تعمل على خلق مناخات النمو الإنساني روحيًا وزمنيًا، حتى يصل الإنسان إلى ملء قامة المسيح (أفسس 4/13). ولمسيح هو الذي أولى "بعضهم أن يكونوا رسلاً وبعضهم أنبياء وبعضهم مبشّرين وبعضهم رعاة ومعلّمين ليجعل القديسين أهلاً للقيام بتلك الخدمة التي ترمي إلى بناء جسد المسيح، فنصل بأجمعنا إلى وحدة الإيمان بابن الله معرفته ونعيد الإنسان الكامل ونبلغ القامة التي توافق سعة المسيح" (أفسس 4/11-13).

 

ليست هذه المهمة سهلة، لذلك نتداركها يومًا بعد يوم ونسعى إلى تحقيقها كلّ في بلده وكنيسته. والنموذج الكامل لحركة التربية من أجل إحداث التجديد هو المسيح نفسه الذي قام بتعليم الأثني عشر وسائر التلاميذ ووعدهم بإرسال الروح القدس. وإذ تتلمذوا له، قاموا بدورهم بنقل البشارة وتجديدها للجماعات الناشئة  (أعمال 13/1 وأفسس 4/11).

لست أول من قدّم اقتراحات أو برامج عمل بهذا الشأن، لكني وجدتُ من الضروري، بعد مراجعتي ورقة "التجديد الكنسي" للأب كوربون وتقديمي المعايير للتجديد هنا، وبعد عرض كلّ المشاكل المطروحة عل التربية، أن أؤكّد بعض المقترحات والبرامج.

 

        1) تربية الخدّام وتنشئتهم: إن أولى المهمّات التي نراها ملحّة هي تربية كهنة الرعايا وتنشئتهم. فالكنيسة التي تُعنى بتربية جميع المؤمنين لا يمكنها أن تهمل تربية الخدّام أنفسهم"مخافة أن يكونوا مرفوضين بعدما وعظوا غيرهم" (1 كو 9/27).

 

أ . واقع المدارس الإكليريكية

        إنّ دعوة القائد للخدمة تتمّ في شخص الربّ نفسه وتقترن بقبول الخادم. والدعوة هي رسالة سماويّة يعمل فيها الإنسان بإرشاد من الرو القدس. وللكنيسة دور هام يتمثّل في الملء الروحي للخادم والتعليم والتدريب والمتابعة المستمرّة والشرح والتسليم بالعقائد الكنسيّة والتزويد بوسائل الإيضاح .

 - تتمّ تنشئة الإكليريكيين بشكل عام ضمن الإطار النظري فيتزوّد الطالب المعلومات ويخزنها على أمل الإستفادة منها في حياته العمليّة .

وبسبب عدم وجود منهجيّة فاعلة للإقناع تبقى هذه المعلومات في إطار الشعارات .

 - لم تماشِ تربية الإكليريكيين الوسائل الحديثة، وبقيت منغلقة على نفسها في أطر متحجّرة . وهذا ما يؤدّي بالكاهن إلى الشعور بالغربة في هذه المنطقة .

 - الحصاد كثير والفعلة قليلون، لذلك لا ينال الطالب الوقت الكافي لتنشئته قبل تسلّمه رسالة الخدمة في الكنيسة .

 

        ب . اهتمام المدارس الإكليريكية بالتنشئة .

- إذا كان همّنا تجديد رسالة الكنيسة، علينا بالدرجة الأولى أن نهتمّ بخدام الرعايا وتنشئتهم في الإكليريكيات أو غيرها تنشئة صحيحة سليمة تعتمد القيم التي سنتكلّم عنها في أمر التربية الدينيّة، وتراعي الإطلاع على مختلف الظروف وفهمها والإنفتاح عليها وعلى عمل الروح الذي ينمّي   جسد المسيح المتجلّي في هذه الكنيسة المحليّة .

 - إن إعداد الإكليريكيين يتمّ بقصد تلبية حاجات مجتمعنا العصري . لذا، بات ضروريًا تزويدهم،

 

فضلاً عن الثقافة اللاهوتية، بالثقافة التربويّة والمنهجيّة الحياتيّة التي تستدعيها الحاجات وبحسب المجالات القائمة في الرعيّة، في العائلة المسيحيّة وفي التربية الدينيّة، سواء كانت داخل المدارس أم خارجها.

ومتى أتت تربية الخدّام على مستوى مسؤوليّتهم وانفتاحهم الضروري في هذا المجتمع المتعدّد الطوائف والأديان، عملوا هم بدورهم على توعية مسكونيّة تتناول جميع الفائات من عاملات مسؤولين ومعلّمين وطلاّب... وإلا بقيت التربية المسكونيّة حركة عاطفيّة يتعاطى بها البعض دون أن تهمّ الجميع .

من الممكن أيضًا أن تتعاون الكنائس في ذلك، وأن يجتمع المسؤولون عن هذه المدارس الإكليريكيّة ويستعينوا بخبرات واختصاصات بعضهم البعض، بروح الخدمة، وفي هذا السياق لا يمكننا تجاهل الأديان في هذه التربية، وخصوصًا في محتوى برامج التدريس. وقد عرفت بعض البلدان الأوروبية تجارب لافتة حيث كانت تعرض نقاط الاختلاف بين الأديان بموضوعيّة، ذلك أنّ الطالب إن لم يتعلّمها في المدرسة يلقّنه إياها الشارع والبيئة ووسائل الإعــلام بأشكال مشوّهة ونزاعيّة. فما المانع من العرض الصحيح للأديان بهدف التعامل معها ؟

 - تدريب عملي على طرق السماع وإدارة الإجتماعات والحلقات .

 - تنظيم لقاءات دوريّة بين مختلف الإكليريكيين في المدينة أو المنطقة الواحدة وتبادل الخبرات، أو إقامة بعض النشاطات الجماعيّة

 - التمنّي على رؤساء الكنائس إقامة لقاءات دوريهة بين الإكليريكيين والعلمانيّين لبحث قضايا ذات أهميّة بالنسبة للكنيسة .

 

2) قيم ووسائل التجدّد التربوي للمربّين والسامعين: إنّ التحدّي الذي يواجه الإنسان من قبل تغيرات العصر هو تحدّ جسيم، وعلى الكنائس والمؤسسات ألا تدع الإنسان ينجرف نحو القيم المادية بتأثير المجتمع الإستهلاكي فيفقد إنسانيّته.

 

        أ . القيم الأوليّة في هذا المجال

- الإنفتاح على الغير والتسامح اللذان يفترضان القبول بالاختلاف. والتجدّد ليس عمليّة انصهار، بل إقامة علاقات وديّة تسامح الآخرين وتفهمهم وتقبلهم بتعدّدية أفكارهم واختلاف كنائسهم وألوانهم وبتنوّع مواقفهم وقيمهم. وهذا يستدعي منّا تنمية الصورة الإيجابيّة للإنسان المسيحي وجعله يتحسّس بأنه قيمة بحدّ ذاته .

 - إبراز العطاء المجاني وتنميته داخل المؤسّسات وفي المدرسة .

 - تنمية النقد الإيجابي والتحليل حتى لا نبقى على التلقين الكلامي وننساق جميعًآ مع التيارات المعاصرة الجارفة والمستوردة .

 - الإستقامة في التفكير والتعبير . ليكن الكلام  "نعم نعم ولا لا " كي لا نستغلّ العلوم الإنسانية والتقنيّة الحديثة لتبرير الذات بدلاً من إنماء التفاهم والتعاطي مع الآخر، والثقة به كإنسان صادق .

 

ب . بعض المقترحات التربوية

يتمّ تجسيد هذه المقترحات على المدى القصير عبر خطة ثلاث سنوات لقسم التربية المسيحيّة في مجلس كنائس الشرق الأوسط، على أن تشمل الخطّة ستّة أمور :

        1. ندوات تجمع باحثين وعاملين في التربية والعلوم الإنسانيّة والوسائل الإعلاميّة المرتبطة بالتربية واستشاراتهم لإيجاد الوسائل الفضلى في التربية .

        2. اجتماع يضمّ جميع المسؤولين عن التربية الدينيّة في المنطقة لتبادل الخبرات والنظر في وضع برنامج يختار ما يناسب واقعنا وذهنيتنا وعملنا المسكوني .

        3. إختيار لجنة صغيرة يُطلب منها أن تتابع عمليّة التجدّد في مجالات التربية، فلا تكتفي بالنظريات بل تشارك وتدرّب وتنظّم بعض اللقاءات .

        4. تكليف تقنيين مختصّين بالوسائل السمعيّة والبصريّة وعلى معرفة بالتراثات الكنسيّة الشرقيّة، لينتجوا أشرطة وأفلامًا تهدف إلى توعية الطلاب والشبيبة والمرأة إلى أدوارهم في تجديد الرسالة الدينية وإعادة الإنسان إلى أصالته، وتجديد إنطلاقة المدارس لتعود إلى ما وجدت من أجله .

        5. إخراج التعليم الديني من قمقمه ليصبح تربية دينيّة شاملة متناسقة تتناول التلميذ والشبيبة والمرأة، بحيث تتكامل هذه القطاعات وتتعاون في تربية إنسان مؤمن عارف بدينه، ملتزم الأصول الأخلاقية والدينيّة، وتنشيط الحركات الرسوليّة.

        6. تكليف لجنة بالإطلاع على جميع كتب التعليم الديني المتداولة وإبداء الملاحظات عليها ووضع المواد الأساسيّة اللاهوتيّة التي يجب على كلّ كتاب أن يعتمدها في مختلف المراحل التعليميّة، مع النظر في إمكانيّة إصدار برنامج تعليم مسكوني متكامل يراعي خصوصيّات كلّ كنيسة .

        - على التعليم الديني أن يكون رسالة، وهذا لا يعني ألا نلتفت إلى المستوى المادي للمعلّم بل علينا أن نسأل توفّر شروط علميّة فيه، منها أن يكون حائزًا على إجازة من أحد المعاهد الدينيّة المعترف بها ويتمتّع بصفات أخلاقية ومسلكية تمكّنه من أن يكون قدوة. وعلينا، بالمقابل، أن نسعى حتى يتمتّع بمستوى معيشي لائق يقيه شرّ العوز ولا يدفعه إلى القيام بنشاطات أخرى، سعيًا وراء لقمة العيش .

        - لقد بات واضحًا أن مثل هذه التربية تلعب دورًا رئيسًا في تنقية مجتمعاتنا اليوم وحياتنا المسيحيّة من الرواسب الإيدلوجيّة، ومن التعصّب والعقائديّة، وتكون التربية التي تهيّء المجال أمام تربية مسكونيّة تساعد الأشخاص والجماعات على العيش المشترك مع الآخرين وتقديرهم حقّ التقدير .

        7. وقد يكون من المناسب أيضًا أن تتمّ هذه المقترحات العديدة من خلال تحقيق مشروع إنشاء المعهد المسكوني لتأهيل المربّين الذي أقرّ السنة الـ 1969 ولم يرَ النور بعد .

 

        3) التجديد بواسطة العائلة والمرأة: وبما أنّه لا يسع التربية الدينيّة، بأي حال من الأحوال، أن تقتصر على المدرسة، بل تتولاها الكنيسة التي تخاطب الجميع وتقودهم في عمليّة بناء روحاني ديني متكامل، لذلك وجب على الكنيسة ألا تهمل تهيئة الخدام وتنشئتهم، بحيث تؤمّن الإستمرارية للتربية . وعليها ألا تهمل المرأة   الأم التي تلقّن وتعلّم، تصرف النظر عن الاهتمام بشؤون الأسرة .

        ومن الهام أيضًا أن ننظر إلى وضع العائلة ومفاهيمها الروحيّة والعقيدية. فهي العامل الأول في التربية، لأنّ التربية في المدرسة تتناول التعليم المسيحي، أمّا التمرّس بالحياة المسيحيّة فميدانه العائلة. وللمرأة الدور الأهمّ في تربية الأسرة في مجتمعاتا نظرًآ لتغيّب الأب الإضطراري المستمرّ عن البيت . ولهذا أولينا المرأة لفتة خاصة .

 

        أ - واقع المرأة في الشرق الأوسط

        لا تزال المرأة في مجتمعاتنا مقيّدة محرومة من كثير من حقوقها الأساسية. وللمرأة دور أساسي فهي نصف المجتمع، وهي الأم التي  تربّي وتلقّن النشء الجديد بالتعاون مع الأب. ولا يمكن للكنيسة أن تتجاهل دورها البنّاء، بل عليها أن تهتمّ بها وتعاونها حتى تساهم في بناء المجتمع وفي تأدية دورها في تربية أبنائها وفي الكنيسة. وللمرأة دور كبير في عملية توازن الأسرة وتربية الأجيال على مفاهيم المساواة والتعاون داخل البيت وخارجه. كما أنّ عليها أن تغرس المبادئ المسيحيّة في الغفران والعطاء، وإلا تفكّكت الأسرة وبالتالي المجتمع.

 

        ب ) البرنامج العملي

1. التمنّي على مختلف الكنائس السعي لإيجاد مراكز تُعنى بتثقيف المرأة وتوعيتها وتدريبها في مجال التدبير المنزلي وبعض المهن .

2. مساعدة الأمهات العاملات بتوفير الخدمات المختلفة لهنّ، مثل إنشاء دور الحضانة .

3. تنظيم محاضرات دوريّة تعالج مع المرأة مشاكل التربية والدين والكنيسة .

4. إنشاء مكتبة عامة تتضمّن جميع الكتب والنشرات وأفلام الفيديو التي تتناول شؤون المرأة وتسهيل إعارة هذه الكتب والأفلام للنساء .

5. تنظيم رحلات تثقيفيّة للنساء، وتبادل الخبرات والزيارات بين الكنائس على الصُعد المحليّة والإقليميّة والدوليّة .

6. فسح المجالات أمام المرأة لمشاركة فعّالة وتمثيل صحيح، بنسبة عدديّة عادلة في جميع مواقع صنع القرار .

7. العمل على محوّ أميّة المرأة والرجل معًا، سواء الأميّة الأبجديّة أو الثقافية أو الروحيّة أو الإجتماعيّة والصحيّة لتتمكّن من القيام بدورها كاملاً في المجتمع .

       

4) الشباب

        أ - واقع الشبيبة في الشرق الأوسط

        تواجه الشبيبة في مختلف مناطق الشرق الأوسط مشاكل عديدة منها الأقتصادية ومنها السياسيّة ومنها النفسيّة. فيعيش أغلبها في حالة من الضياع والفراغ قد تصل بها إلى القنوط واليأس الذي يستتبع انزلاقًا نحو الجريمة والإدمان.

فالدول الشرق أوسطيّة لا تُعنى بالشباب ولا توجّههم نحو المهن التي تؤمن لهم مستوى لائقًا ومستقبلاً زاهرًا، والضغوط السياسية والمادية والعنف منصبّة عليهم لتدفعهم نحو عدم الاستقرار والقلق الذي يؤدّي بهم إمّا إلى المغامرة اليائسة، وإمّا إلى الهجرة. وإذا أرادت الكنيسة أن تخاطب هذه الفئة خارج نطاق المدرسة، عليها أولاً أن تتفهّممشاكلها وتعالج البعض منها .

 

ب ) البرنامج المقترح

1. إنشاء هيئات وصناديق تعاونيّة هدفها المساعدة عن طريق تقديم القروض للشبان غير القادرين على متابعة الدروس أو السكن لأسباب اقتصاديّة .

2. إنشاء مراكز توجيه مهني تهتمّ، بدون أي مقابل، بالتلاميذ والشباب لإرشادهم إلى المهن التي قد تؤمن لهم في بلادهم استقرارًا ماديًا ومستقبلاً مقبولاً .

3. تنظيم لقاءات مستمرّة مع الشباب ضمن إطار الرعيّة، وتنظيم الحلقات والرحلات الدراسيّة اللاهوتيّة واللقاءات الإجتماعيّة .

4. إعداد برامج توعية خاصة بالشبيبة لجهة العلاقة بين الجنسين والتحضير للزواج لبناء أسرة مسيحيّة متوازنة ولإبعاد الشباب عن المخدرات وسائر الإنحرافات .

5. تشجيع المواهب الموسيقيّة والفنيّة وتقديم منح تخصّص للمتفوّقين في هذا المجال، وتوجيه هذه المواهب نحو الخدمة الكنيسة .

6. إقامة رياضات روحيّة تساعد الشباب على الاختلاء بالنفس والصلاة .

 

        الخاتمة :

        موعد البشر مع الله هو موعد الإنسان العتيد الذي لم يتمّ مشروع خلقه، ولم تنته مراحل نموّه الروحاني. ولن يتمّ المشروع وتنتهي المراحل، إلا متى بلغ الإنسان ملء قامته، التي هي قامة المسيح، أي متى تألّه فأدرك ناسوته اللاهوت.

        إنّ الكنيسة نفسها التي أسسها المسيح، وجعلها قاعدة لبنيان الإنسان التعيد الكامل، لم تبرح بعد ألفي عام، أساسًا لم تكمّل مداميكه. فهي كالإنسان المنتظر لم تزل مشروع "كنيسة واحدة جامعة مقدّسة"، لأنها ليست بعد "مقدّسة لا لوم فيها ولا عيب" وليست بعد كنيسة الوحدة والشمول والطوباويات . لم يتمّ فيها سرّ تجسده ولم تزل بوجدانها وإدراكها وأفعالها وحياتهم مقصّرة عن إيصال بنيها وإيصال البشر أجمعين